محمد متولي الشعراوي
4062
تفسير الشعراوى
يعنى أن هذا الفسوق أمر يجوز منه ؛ لكن الملائكة لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وإن تساءل أحد : ولماذا جاء الحديث عن إبليس ضمن الحديث عن الملائكة ؟ . نقول : هب أن فردا مختارا من الإنس أو من الجن التزم بمنهج اللّه كما يريده اللّه ، فأطاع اللّه كما يجب ولم يعص . . أليست منزلته مثل الملك بل أكثر من الملك ، لأنه يملك الاختيار . ولذلك كانوا يسمون إبليس طاووس الملائكة ، أي الذي يزهو في محضر الملائكة لأنه ألزم نفسه بمنهج اللّه ، وترك اختياره ، وأخذ مرادات اللّه فنفذها ، فصار لا يعصى اللّه ما أمره ويفعل ما يؤمر ، وصار يزهو على الملائكة لأنهم مجبورون على الطاعة ، لكنه كان صالحا لأن يطيع ، وصالحا - أيضا - لأن يعصى ، ومع ذلك التزم ، فأخذ منزلة متميزة من بين الملائكة ، وبلغ من تميزه أنه يحضر حضور الملائكة . فلما حضر مع الملائكة جاء البلاغ الأول عن آدم في أثناء حضوره ، وقال ربنا للملائكة : اسْجُدُوا لِآدَمَ . وكان أولى به أن يسارع بالامتثال للأمر بالطاعة ، لكنه استنكف ذلك . وهب أنه دون الملائكة وما دام قد جاء الأمر للأعلى منه وهم الملائكة ، ألم يكن من الأجدر به وهو الأدنى أن يلتزم بالأمر ؟ لكنه لم يفعل . ولأنه من الجن فقد غلبت عليه طبيعة الاختيار . ويقول الحق بعد ذلك : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 12 ] قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثم قال كما يحكى القرآن الكريم : أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ( من الآية 61 سورة الإسراء )